يومُ الكرامة
مناسبتان تمرّان بالأُمّة في يوم واحد من كل عام ، المناسبة الأولى : فشل حصار "نابليون" الذي ضربه على مدينة "عكا" تمهيداً لغزو بلاد الشّام فانسحب إلى مصر ، ومنها فرَّ تحت جنح الظّلام إلى فرنسا ، والمناسبة الثانية : معركة الكرامة التي أسفرت عن هزيمة اليهود ، فكانت أوّل هزيمة للجيش الذي زعموا أنّه لايقهر .. تجيء هذه المناسبة ردًّا واضحاً على المهرولين للمباركة بجعل فلسطين كلّها وطناً قومياً لليهود ، والتمرّغ على أعتاب المحتلّ وأقدامه ، مذعنين لِكلّ ما يملي ويرغب ، تجيء إنذاراً لقطاع الطّرق المتسلّطة ، ولسدنة الخذلان والهزيمة ، ولحرّاس السّجن الكبير .. بأنّ الكرامة غير هذا وأنّها قادمةٌ لاريب ، وأنّها وحدها تستحق أن نغني لها إن كنا حقاً نريد أن نكون أحياء ، والشّهداءُ البررة الذين قالوا ذلك في يوم الكرامة ، وفي أيّام الإسلام الخالدة ، لايكذبون .
تدافعوا كظلام الليل وانحسروا كذلكَ البغيُ يستعلي فينكسرُ
جلّ الذين بغير النّصرِ ما اقتنعوا وهانَ من بالسلام الخادع انبهروا
شُمُّ الجباه رجالُ الجيشِ لاخُضدَت لهم قناةٌ ولا خابوا ولا خسروا
كرّوا عليهم فكفُّ الموت مشرعةٌ أظفارُها والدّمُ الموّارُ منهمرُ
سموا على العيش رهنَ الذُّل فارتفعوا وجاهدوا الحلَكَ المذمومَ فانتصروا
ما لليهود بأن تمتدَّ قامتهم ورأسهم بهوان الدّهرِ معتمرُ
لما استبانوا الدّروعَ الشُّهبَ هادرةً وبارقُ الموتِ يَعْشَى دونه البصرُ
فرّوا يرومونَ أذيال النّجاة كما تفرُّ حينَ يلوحُ الضّيغمُ البقرُ
وياجباهَ الفدائيين إذ شمخت بدا لديك صغاراً كلُّ من كبروا
ياناسجى البرقِ أعلاماً وألويةً وسابقي النّاسِ من ضحّوا ومن صبروا
لم يسطع الشّرَرُ القدسيُّ من دمكم لكي يسبّح للمستسلم الشّررُ
قولوا له لأبي عمّار نحنُ هنا برق التّحدي وأنت الخائنُ الأشرُ
تنفست ساحةُ الميدان عن أفقٍ فيه المنى كرياض الخلدِ تزدهرُ
ماذا أرى ؟ أصلاح الدين يخطر في أبرادِ "حطين" مزهوٌ ومنتصرُ ؟
أم "عين جالوتَ" في أبهى مناظرها ؟ وفي القيودِ وفي كفّ الرّدى التّتر
^^^
يومُ الكرامةِ في التّاريخ مرحلةٌ بها انتهى في دروبِ الخيبة السّفرُ
تلألأت في دياجي العصرِ بارقةً بدريّةَ الوجهِ معقودٌ بها الظّفرُ
أهدت لنا صورة الإنسان زاهيةً قبلَ الكرامة ما كانت لنا صورُ
هي العقيدةُ سرٌّ كلّما احترقتْ آمالنا انهلَّ منها العطرُ والثّمرُ
يوم الكرامةِ لولا ما قدحت بنا كدنا على مسرحِ الخذلانِ نندثرُ
جئنا صغاراً لدى ذكراك نكبرها لك القريضُ ومن ميدانكَ الدُّررُ
جئنا نناجيكَ لحناً غارباً خنقت أوتارَهُ كفُّ من شاخوا وما كبروا
وفيكَ نبحثُ عن معنى نشدُّ بهِ كرامةَ الجيل في أرجاءِ من هدروا
نرنو لفجركَ يطوي نورُ غُرّتهِ ليلاً تسكّعَ فيه العُهرُ والخدرُ
نرنو لغيمتكَ البيضاء تمطرنا كدنا من الشّدة العجفاءِ ننتحرُ
^^^
يومَ الكرامةِ عذراً إنّ قافيتي حرّى الجوانح لاماءٌ ولا مَطَرُ
عنكَ ابتعدنا فلما خاب مقصدنا جئناكَ بعدَ فوات الوقت ندّكرُ
سبعٌ وعشرونَ لا أعطت ولا وهبتْ الغيثُ محتبسٌ والقحطُ مستعِرُ
سبعٌ وعشرون مرّت لاأقولُ حَلَتْ بها اشتفى اليأسُ حتّى كبّر الحجرُ
أهكذا يابنَ أُمّ الحربِ تتركُنا لدى المحافل نستجدى وننتظرُ
هل موسمٌ كالذي أبدعْتَ تمنحنا ؟ فعَنْ حمانا تناءى الموسمُ العطرُ
وحينَ طالَ بي التسآلُ واختلطتْ في ناظري من رزايا أمّتي صُورُ
رأيتُ وجهكَ مكلوماً يفيضُ أسى تلهو بهِ في "أريحا" الزُّطُ والنّورُ
وسحرَ صوتكَ في "مدريدَ" حشرجة ما فيهِ من نبضِ ما أطربتْنا أثرُ
وفيضَ طُهركَ في وادي السّلام على نقائِهِ يتعالى القارُ والقذرُ
قالوا لنا أرضُنا عادت وعاد لنا حقُّ المياهِ وطابَ الوِرْدُ والصّدَرُ
وعن فلسطينَ إن ساءلتهم صمتوا فلا حديثٌ ولا علمٌ ولا خبرُ
للغاصبينَ روابيها وساحلها وقدسُها وصباها الفاتنُ العَطرُ
القانعون بسلمٍ لا تعودُ بهِ لنا فلسطينُ والمحتلُّ يندحرُ
فداء من قرّبوا للهِ أنفسهم رخيصةً في الدّروبِ الحمرِ ، واعتذروا
^^^
عفنا الدّيارَ بِهَا "كسرى" تحاصرنا جيوشهُ حيثُ لا "سعدٌ" ولا "عُمَرُ"
وبئْسَ نهجٌ به شرُّ الغُزاةِ لهم مِنّا الهوى و "صلاحُ الدين" يحتقرُ
وخابَ سعيُ امرئ ماضيهِ مؤتلقٌ ووجهُ حاضره بالطّينِ مختمرُ
^^^
يومُ الكرامةِ أَدْرَكْنا بساحتهِ إلى فلسطينَ كيفَ الدّربُ يُختصَرُ
وما كفرنا بوعدِ النّصرِ ياوطني إذ الأرقاءُ من إصرارنا سخروا
رُكنُ الجهادِ حيال النّهر قامَ لهُ رُكنٌ فحجوا لهُ يا قومُ واعتمروا
هو السّبيلُ فيا فرساننا انطلقوا هوَ الطّريقُ فيا من فرّطوا انتحروا